العسكر ومعضلة المرشح «العبيط»

زينب أبو المجد –  أخيراً وضعت لجنة الانتخابات الرئاسية قائمتها النهائية للمرشحين، وبقي فيها من بقي وذهب من ذهب، يشعر المرشحون الآن- وبالأخص الثورجية الكبار منهم- أنهم سيخوضون انتخابات نزيهة بإذنك يا رب، لكن الثورجية الكبار على اختلاف، مشاربهم السياسية، يا إما ساذجين وهُبل.. يا إما كل واحد فيهم عامل عبيط، فجميعهم يتجاهل الفيل الكبير الموجود بالغرفة الذي يراه الجميع ويسكت عن وجوده الجميع، ينشرون برامج انتخابية طويلة مليئة بالكلام الكبير والرومانسي حول تنمية البلد، ويتجاهلون وقوف العسكر كحجر لا يتزحزح أمام برامجهم الحالمة تلك، باستيلائهم عنوة على معظم المواقع البيرقراطية والاقتصادية العليا في البلد، يتحدث المرشحون بحماسة مفرطة وتفاصيل مملة عن خطط همايونية، وهم يعرفون جيداً أنهم لن يستطيعوا تنفيذ كلمة واحدة من تلك الخطط، ببساطة لأن العسكر هاهناك رابضين في كل ركن وثقب من بنية الدولة. لم يرفع أي من المرشحين حتى الآن – خوفاً واسترضاءً أو جهلاً واستعباطاً – لافتة «نزع العسكرة» عن النظام المصري المغصوب.

سأقوم فيما يلي بتفكيك خطاب مرشحي الرئاسة الثورجيين منهم تحديداً، المتأسلمين واليساريين، لأوضح أن أي منهم لم يُشر من قريب أو بعيد لأهم قضية جوهرية وملحة، سوف أقدم للمرشحين بعض المفاجآت غير السعيدة عن استحالة تنفيذ البرامج الانتخابية اللي تعبوا في كتابتها، لأن العسكر المعينون هناك من أعلى دون خبرة أو علم يقفون في انتظارهم، وتعلو وجوههم ابتسامة هازئة في كل مكان.

فلنبدأ بعبد المنعم أبو الفتوح، المرشح اليميني المحافظ والمنتمي فكرياً للإخوان، ويحسبه البعض على الثورة، كتب لنا أبو الفتوح برنامجاً انتخابياً طويلاً للغاية، يمتلئ بالتفاصيل غير اللازمة والمصطلحات الأكاديمية المعقدة، كأنه كتاب مقرر على سنة رابعة كلية، ويمتاز بالاستخدام المتكرر وفي أغلب الأحيان غير المُبرر لكلمة الشريعة الإسلامية، اجتهد البرنامج أن يكون شاملاً، فلم يترك مجالاً أو قطاعاً إلا وطرح لنا وجهات نظر للتطوير فيه، فمثلاً.. عن الصحة يقول لنا إنه سوف يزيد الإنفاق عليها بنسبة ١٥ بالمائة، عن الصناعة يقول إنه سيشجع الاستثمار والصناعات الصغيرة، وعن السياحة إنه سيجعل مصر من أكثر خمس دول في العالم جذباً للسياح، وعن المحليات يقول إنه سيطبق نظام الانتخاب على المحافظين ورؤساء المدن، وأكد على الرقابة والمحاسبة ومحاربة الفساد. وحتى يبدو البرنامج تقدمياً لاحقاً بلغة العصر، حدثنا أيضاً عن البيئة ومشكلات التغير المناخي! وأخيراً.. طرح لنا مشروعًا قوميًا كبيرًا ورائعًا عن قناة السويس وتحويلها لمركز تجارة عالمي.

كلام جميل يردده الجميع، ولكن دعني أخبرك ببعض المفاجأت يا سيادة المرشح، عندما تذهب لوزارة الصحة لتطبيق أفكارك عن الإنفاق فيها، فستجد في وجهك هناك مساعد وزير الصحة للشؤون المالية والإدارية عسكري متقاعد، وهو اللواء أشرف خيرى، ومعه لواءات كثيرون آخرون منتشرون في مكاتب الوزارة، حتى التجهيزات التي ستحاول شراءها يقوم عليها لواء وهو نادر فؤاد، وإن حاولت الحصول على بيانات ستجد من يدير مركز المعلومات أيضاً لواء وهو صلاح بدر. أما إذا حاولت تطبيق برنامجك الصناعي الطموح، فستجد في انتظارك في هيئة التنمية الصناعية أيضاً عسكر، على رأس الهيئة اللواء إسماعيل عبد المنعم نجدي، اللي استلم شغله هناك بعد الثورة في شهر يونيو الماضي، وستجد في هيئة المجتمعات العمرانية التي تختص بتوزيع الأراضي على المشروعات الصناعية الجديدة لواءات آخرين كُثر، منهم أربعة تم تعيينهم أيضاً بعد الثورة. ثم إن حاولت المساس بالشركات القابضة التي كانت في الأصل مصانع وشركات القظاع العام، ستجد المزيد من اللواءات في انتظارك هناك، كاللواءات مجدي أمين وأحمد حسنين عبد العزيز ومحمد سعيد حافظ مثلاً في الشركة القابضة للصناعات الغذائية. حدثتنا عن صناعة الأسمنت، ودعني أزف لك النبأ أن اللواء محسن مصطفى هو رئيس مجلس إدارة الشركة القومية للأسمنت، وأن المؤسسة العسكرية نفسها تمتلك مصانع للأسمنت.

أما عن أحلامك في السياحة يا سيادة المرشح، فيؤسفني أن أفاجئك بأن رئيس شركة مصر للسياحة عسكري وهو اللواء فؤاد سند، وأن الشركة القابضة للسياحة والفنادق والسينما ملغمة بلواءات آخرين من مثل عصام عبد الهادي رئيس إيجوث الكبيرة المتشعبة، وقد خلف في منصبه هذا لواء آخر. وعندما تحاول محاربة الفساد، فستجد أن هيئة الرقابة الإدارية على رأسها وفي كل مكتب كبر أو صغر فيها بمقرها الرئيسي بكلية البنات، وبل ومكاتبها بالمحافظات لواءات وضباط من الجيش. وحتى البيئة، لا يسعني إلا أن أصيبك بالمزيد من الإحباط في هذا المجال، حيث إن وزارة البيئة مشبعة بعشرات من الجنرالات المتقاعدين أحصاهم البعض بـ٦٥ لواء. ربما يكون قد بلغ علمك يا سيادة المرشح أن الغالبية العظمى من المحافظين ورؤساء المدن والمراكز والأحياء من العسكر المتقاعدين، ولا نعرف إن كنت ستقوم بفصل كل هؤلاء لأجل تطبيق نظام الانتخاب الذي تقترحه. أما عن مشروعك العظيم لقناة السويس، أعتقد أنني لست في حاجة لأن أخبرك أن على رأسها فريق متقاعد وهو أحمد فاضل، وينضح كل ميناء وشركة بالقناة بجنرالات وضباط جيش متقاعدين، وأن أصحاب مناصب المحافظين في مدن القناة أيضاً عسكر.

فهل سيقوم عبد المنعم أبو الفتوح بإنهاء خدمة كل هؤلاء الجنرالات ويضع مكانهم أصحاب الخبرة والعلم علشان يعرف يطبق برنامجه، والذي يبدو الآن كأضغاث أحلام في ظل هذا الانتشار المتوغل للعسكر؟ الشعب يحتاج لإجابة واضحة.

في حين أن برنامج أبو الفتوح لا يحرمنا من أدق التفاصيل المعقدة في الحديث عن كل الأمور، نجد قلم الكاتب مرتجفاً مقتضباً في إشارته للمؤسسة العسكرية. في جملة سريعة مبتسرة يقول «على أن تخضع جميع مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية لسلطة السيادة المدنية المنتخبة»، ولم يوضح لنا المرشح كيف. فقط عندما توجه له أسئلة محرجة في المؤتمرات الشعبية، يضطر أبو الفتوح للحديث عن أموال العسكر. في إحدى المؤتمرات بإمبابه، أصر مواطن على مواجهته بسؤال عن ميزانية الجيش، وقال له «لا نريد كلاما عائما». فاضطر أبو الفتوح محرجاً للرد باختصار شديد قائلا: «إن الجيش سيتم التعامل معه مثله مثل باقى مؤسسات الدولة، فالجميع سواسية أمام القانون وستكون ميزانيته جزءًا من ميزانية الدولة، ولن يتميز عن أى مؤسسة أخرى». جدير بالذكر أنه لا توجد أي إشارة لتلك المسألة في البرنامج المكتوب.

لننتقل الآن لليسار.. يقع حمدين صباحي على الجانب اليساري الناصري، وهو جانب تاريخياً ليس لديه مشكلة من حيث المبدأ مع هيمنة العسكر، لأن عبد الناصر كان في نهاية الأمر عسكرياً، على عكس برنامج أبو الفتوح المفصل بملل، برنامج صباحي قصير، والغريب بشكل ملفت للانتباه أنه يخلو تماماً من أي ذكر لكلمتي القوات المسلحة أو الجيش، ولا مرة واحدة، في وثيقة رئاسية من المفترض أن تكون شاملة جامعة في التعرض لجميع مؤسسات الدولة، كمثل أبو الفتوح، يحدثنا صباحي أيضاً عن صحة وتنمية صناعية وزارعية وسياحة، يحدثنا عن صناعات صغيرة واستثمار.. إلخ. ويضيف على كل ذلك مشروع قومي لتعمير سيناء، وأعيد عليه كل ما ذكرته لأبو الفتوح بأعلاه، وبخصوص سيناء أحب أن أضيف أن رئيس جهاز تعمير سيناء هو اللواء محمد ناصر، وأن محافظ جنوب سيناء هو اللواء خالد فودة صديق، ومحافظ شمال سيناء هو اللواء السيد عبد الوهاب مبروك.

وأعيد على حمدين نفس السؤال السابق: هل ستقوم بإنهاء خدمة كل هؤلاء الجنرالات المتقاعدين في كل تلك المواقع المدنية لتتمكن من تطبيق برنامجك؟

يتحرج حمدين صباحي إن أصبح رئيساً حتى من ممارسة سلطته في تعيين وزير دفاع، فحينما أُشيع أنه صرح بأنه سيعين وزير دفاع جديد كأول قرار له، سارع فوراً لنفي ذلك، وفي مؤتمر انتخابي له بالمنوفية أكد حمدين «أنه سيدعم الجيش وسيقويه لتمكينه من أداء مهمته المقدسة»، ولم يوضح إن كانت تلك المهمة تتضمن بقاءه جاثماً فوق صدورنا في كل موقع مدني أم لا.

أما خالد علي، فلأنه الأقل حظاً في الفوز والأقل احتياجاً لرضاء العسكر عنه، فهو أكثرهم جرأة، ألقى كل شيء بوجه العسكر كدا على بلاطة. يظهر خالد علي تحيز واضح للفقراء والمهمشين في برنامجه، حيث يبدأه بالحديث عن العمال والفلاحين والصيادين وعمال اليومية، قبل أن ينتقل للحديث عن بنية الدولة والتنمية والصحة.. إلخ. يستخدم اللغة العامية في البرنامج حتى يقترب من الشباب، ولست متأكدة إن كان هذا ميزة أم عيبًا في خطاب رئيس جمهورية محتمل، يطرح «علي» بشكل راديكالي مسألة إعادة بناء مؤسسات الدولة وعلى رأسها القوات المسلحة، وعنها يقول من الآخر إن الجيش لابد أن يخرج تماماً من المناصب الإدارية في المواقع المدنية، سواء كانت شركات أو مصانع أو محافظات ومراكز، وأن يتفرغ كلياً لمهمة واحدة فقط وهي تأمين البلاد. يقول عن المؤسسة العسكرية إنه لابد من «إنهاء توغلها في الحياة المدنية، بغرض تحقيق الدولةّ المدنية اللي كلنا بنحلم بيها».

عودة للجانب المتأسلم، برنامج صاحب صاحب مشروع النهضة، د. محمد مرسي، يعاني من نفس الأزمة الخاصة برفيقه الإخواني أبو الفتوح، يذكر كلمة الجيش مرة واحدة فقط لا غير طوال الوثيقة، في معرض الحديث عن رفع كفاءته وقدرته لحماية مصالح مصر، يردد كلام كبير أوي عن النهضة، لكن لم تكشف لنا العجلة الأصل أو الاستبن كيف ستتصرف مع كل هؤلاء العسكر الذين ينتظرونهم بابتسامة واسعة في كل مكان.

لست في حاجة هنا لإضاعة الوقت في الحديث عن برامج مرشحين يحبون العسكر حباً جمًا، من مثل د. محمد سليم العوا أو عمرو موسى، فهؤلاء حالات ميؤس الأمل فيها مسبقاً.

أيها المرشح الرئاسي الثورجي، متأسلماً كنت أم يساريًا، إذا كنت أهبل ولا تدرك حقيقة الأمر، فنرجو منك أن تبل برنامجك الانتخابي وتشرب ميته، فنحن لسنا بحاجة لرومانسيين سُذج، وإن كنت فاهم لكن عامل عبيط، فهذا جُرم أقبح وذنبٌ أوقح سيحاسبك عليه هذا الشعب قريباً.

روابط:

البرنامج الانتخابي لعبد المنعم أبو الفتوح

البرنامج الانتخابي لحمدين صباحي

البرنامج الانتخابي لخالد علي

البرنامج الانتخابي لمحمد مرسي

المصري اليوم

Advertisements

حول Admin
Egyptian industrial engineer born in Cairo in mid of November 1963

One Response to العسكر ومعضلة المرشح «العبيط»

  1. غير معروف says:

    , و بنسبه للفريق شفيق أيه النظام , ولا أقول أنا بم أنى بما أنى أعمل فى شركه مصر للطيران , بنسبه له سوف يجعل هناك أشخاص لخدمه القوات الجويه أو من الأخر سوف يجعل (الشعب فى خدمه القوات الجويه) مثل ما فعل فى مجال الطيران .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: