«العسكر» في مصلحة المياه والصرف الصحي

بقلم زينب ابو المجد

تلقيت أنا ومديرة تحرير «بوابة المصري اليوم» الأسبوع الماضي دعوة مفاجئة من الفريق حمدي وهيبة، رئيس الهيئة العربية للتصنيع لزيارة الهيئة، بعد أن نشرت لي البوابة مقالتين بعنوان «جمهورية الموز العسكرية» و «شنب ستالين وعجلة العسكر»، وتعرضت المقالتان للهيئة كإحدى المؤسسات الاقتصادية، التي تديرها النخبة العسكرية، والتي شهدت احتجاجات عمالية في عام ما بعد الثورة.

كانت دعوة نادرة من نوعها، ممدودة من معسكر من هم في مقاعد السلطة لمعسكر المواطنين الغاضبين، وعكست رغبة شعرتها صادقة من رجل نزيه في ألا يُوضع في يوم من الأيام في سلة واحدة مع ثلة من الجنرالات الفاسدين.

ذهبت للزيارة وفي رأسي كل الاحتمالات الممكنة، ولأن الأمر لا يعنينا بمفردنا بل يعني الشعب كله، دعونا لصحبتنا وفداً من محامي حقوق الإنسان والباحثين السياسيين. سأحكي لكم فيما يلي ما حدث في تلك الزيارة.

عندما كنا طلبة علوم سياسية صغارًا كان أول ما علمونا إياه كتلامذة في الكتب هو أن كلمة المدنيين يجب أن تكون هي العليا فوق كلمة العسكريين في أي نظام ديمقراطي، وأن العسكريين لابد أن يخضعوا لمؤسسات صنع القرار المدنية في كل شيء عدا ما يتعلق بتكتيكات الدفاع، وأنه إن دخل العسكر في مساحات السياسة، فإن ذلك يؤثر سلباً على درجة حرفيتهم وجاهزيتهم لخوض الحروب. شرح لنا أساتذتنا نماذج من دول في أمريكا اللاتينية كانت منكوبة لسنوات طويلة بهيمنة نظم عسكرية جاءت عبر انقلابات متتابعة، لكنها نجحت في التخلص من براثن حاملي السلاح ووضعتهم وسلاحهم هذا تحت تصرف المدنيين، من أجل إقامة حكومات ترتكز بالأساس على رفاهية الشعوب وليس قتلهم. قرأنا أنه إذا كانت كلمة العسكريين تعلو فوق كلمة المدنيين أو حتى موازية لها وتناطحها، إذن توجد مشكلة.

وصلنا مقر الهيئة على طريق «القاهرة-السويس»، وبدا وكأننا فجأة تركنا قاهرة القرن الواحد والعشرين المزدحمة، بإعلانات ومحال العولمة، إلى قاهرة منتصف القرن الماضي. كل شيء في مبنى الهيئة- رغم حداثة إنشائه- يُشعرك بالحقبة الناصرية ويذكرك بها، حتى الماكيتات الصغيرة الملونة للمصانع والمنتجات المعروضة في صناديق زجاجية في بهو البناية، التي تشبه ما نراه في مقر السد العالي مثلاً. فتح لنا أبواب الهيئة العتيقة عند وصولنا مُجند ضئيل الجسد يقف على حراستها في زيه الكاكي.

داخل قاعة اجتماعات مجهزة بشاشة عرض، استقبلنا الفريق حمدي وهيبة بحفاوة وبرفقته مجموعة من مديري الهيئة، من عسكريين سابقين ومدنيين، حضر كل منهم الاجتماع وفي جعبته ملفات وأرقام عرضها علينا، لتُبرئ ساحة الهيئة من تهم الفساد، وتثبت إنصافها الفريد لعمالها وموظفيها. وجدنا الفريق «وهيبة»، على عكس ما هو متوقع من عسكري قديم صارم، شخص لطيف خفيف الدم، يرد على كل أسئلتنا، التي كان أغلبها هجومي، بشكل شارح لأدق التفاصيل.

أوضح لنا الفريق «وهيبة» كيف أن الهيئة قد عدّلت طوعاً من هيكل الأجور بها قبل قيام الثورة لتمنح عمالها رواتب تجاوزت بالفعل الحد الأدنى للأجور، بالإضافة لمدهم بـ«سبل مواصلات خاصة» و«رعاية صحية أسرية بلا سقف»، وأن الصحافة لم تكن دقيقة عندما نشرت خبر اعتصام خمسة عشر ألف عامل بالهيئة في العام الماضي، حيث إن عدد من أضربوا في أربعة من مصانع الهيئة الإثنى عشر لم يتجاوز بضع مئات. طبقاً لسيادة الفريق، فقد أنهت الهيئة أول «هوجة» من موجات الإضراب بمصنع الطائرات التابع لها في فبراير من عام الثورة، من خلال الاتصال بالمجلس العسكري، الذي سارع بإرسال حوالي ٢٠ من جنود «الشرطة العسكرية» لفض الاعتصام.

تصاعد التوتر في الغرفة عندما سألنا سيادة الفريق دون إحراج: «لماذا أنت دون غيرك من المدنيين تشغل هذه الوظيفة، وتدير مصانع تحتاج لمهندسين لا عسكريين، وتمثل المنتجات المدنية ٧٠٪ من إنتاجها والباقي حربي؟»، فرد علينا بأنه «يعتقد أن العسكريين هم أفضل من يجيدون أمور الإدارة، لأنهم يحصلون على تدريبات فائقة طوال مدة خدمتهم، وبالتالي يكونون أكثر تأهيلاً للمناصب العليا عن نظرائهم المدنيين. وأصر على أنه لدى البعض تصوراً خاطئاً بأن العسكر ينتشرون «انتشاراً أخطبوطياً» في مواقع الهيمنة، لكنهم في الحقيقة ليسوا في كل مكان.

لكن بمسحة عين سريعة خاطفة على منشآت الدولة، نجد المتقاعدين العسكريين منتشرين بكل ركن، صَغُر أم كَبُر فيها، في مجالات لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وقد لا يفقهون من أمرها شيئاً، «بداية من مصلحة مياه الشرب والصرف الصحي- بجد مش هزار- وانتهاءً بشركات الأتوبيس ومصلحة التليفونات لقناة السويس وشركات البترول وحي العمرانية ‪والدقي‬ ونادي المقاصة الرياضي!». يحتلون بكل عدم استحقاق أماكن «المهندسين والأطباء والمحامين والمحاسبين، بل أماكن السباكين والسائقين والبائعين ولاعبي كرة القدم وبتوع التليفونات!».

بدأ هذا الوضع الغريب العجيب كما نعرف منذ الخمسينيات، لكنه تصاعد في السنوات الأخيرة من حكم المخلوع، بعد فترة طويلة من احتلال النخبة العسكرية لجميع مواقع السلطة تقريباً، في عهد عبد الناصر، بدأ السادات توجهاً لاستبدال العسكر بمدنيين في مناصب الوزراء والمحافظين ومديري القطاع العام. استمر الوضع كما هو عليه في أيام «مبارك»، لكن في أواخر حكمه- وحتى يسترضي العسكر للقبول بابنه كوريث- قام المخلوع بتعيين عدد ضخم من اللواءات والعقداء المتقاعدين في مناصب لا تُحصى عبر بقاع البلاد، وعندما أصبح العسكر هم الحُكام عقب الثورة، طفقوا يعينون أنفسهم يُمنةً ويساراً- من فوق رأس حكومتي عصام شرف والجنزوري منزوعتي الإرادة- في مواقع أكثر وأكثر لإدارة أغلب المنشآت الاقتصادية والمواقع الحكومية فيكي يا مصر.

هل نما إلى علمكم يا سيادة الفريق أن رئيس الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي هو اللواء نصر عرفات، وأن جنرالات آخرين متقاعدين يسيطرون على أفرعها في المحافظات، أمثال اللواء عمرو الوحش، رئيس مجلس إدارة الشركة بالجيزة، اللواء أركان حرب محمود زكي أسعد، رئيس مجلس إدارتها بالأقصر، اللواء حمدي عابدين في المنصب المماثل بالشرقية واللواء محمد بدري في المنصب نفسه في أسيوط، فقد واجه العديد من هؤلاء الجنرالات احتجاجات عمالية، بسبب بخس الأجور تارة وفشلهم في الإدارة تارة أخرى.

ولأن أمر اهتمام القوات المسلحة المصرية بشؤون «الحنفيات والبالوعات» مسألة شديدة الغرابة، فقد تساءلت عن أهمية تلك الشركة، وعرفت أنها شركة ثرية من اشتراكات الأهالي، ولا توجه تلك الأموال- وهو أمر نلمسه جميعاً كشعب مطحون- لمنع طفح البالوعات أو حتى تغطيتها أو لمنع انقطاع المياه المتكرر «بالذات يوم الجمعة الصبح يعني!».

«هل تعرف يا سيادة الفريق أن رئيس شركة النقل البري والبحري، لواء متقاعد محمد يوسف، وأن اللواء منصور الهلباوي يختص بالنقل البري بها، وأن عددًا آخر من اللواءات يقومون على أتوبيسات الوجه البحري والقبلي، ولا أحتاج هنا أن أوضح كم هو مذرٍ وضع تلك الأتوبيسات؟».. «هل تعرف أن وزير الاتصالات عسكري سابق، وأن الشركة المصرية للاتصالات بمجلس إدارتها الأعلى لواء متقاعد».. «هل تعرف أن رؤساء حي العمرانية والعجوزة والدقي ومدير مركز أرمنت ورئيس مدينة حلوان كلهم عسكريون متقاعدون؟».

«هل تعرف أن عصام شرف عين لواءاً كرئيس للبورصة في أحلك اللحظات التي احتجنا فيها لأهل الخبرة وليس الثقة- رغم أن سيادته كان يتحدث في وسائل الإعلام عن نادي المقاصة الرياضي أكثر من حديثة عن الشركة- وأن اللواء عاد بعد أشهر من السقوط الذريع للبورصة لمنصبه الأصلي كرئيس شركة المقاصة لتداول الأوراق المالية، وأن عصام شرف في بداية عهده قام بتعيين مدني في منصب رئيس الهيئة العامة للتنمية الصناعية، لكنه سرعان ما رجع في كلامه وعين بدلاً منه اللواء إسماعيل عبد المنعم نجدي؟».

«هل تعرف يا سيادة الفريق أن رئيس هيئة قناة السويس زميل لك، وهو الفريق أحمد فاضل، الذي خرج آلاف من العمال على طول خط موانئ القناة في احتجاجات ضد إدارته في الشهرين الأخيرين؟»‫.‬. «هل تعرف أن رئيس شركة بتروجاس هو لواء أركان حرب ياسر زكريا النكلاوي، وأن نائبه القادم من هو الحرس الجمهوري اللواء عاصم محمد، وأن رئيس شركة بتروتريد هو اللواء محمد مصطفى درويش، والقائمة تطول في قطاع البترول؟».. «هل تعرف أن رئيس شركة إيجوث للسياحة لواء جاء خلفاً للواء وتطول قائمة اللواءات أيضاً في قطاع السياحة؟». «هل تعرف أن رئيس هيئة الرقابة الإدارية الحالي والسابق وقبل السابق لواءات، وذلك في بلد تنضح برائحة الفساد، الذي يبدو أنه لا يراقب عليه بالفعل أحد؟». أخيرًا بالتأكيد تعرف أن الغالبية العظمى الكاسحة من مناصب المحافظ وسكرتير المحافظ في قبلي وبحري والعريش الحرة أو من بورسعيد كلهم لواءات وعقداء متقاعدين‫!‬

كل هؤلاء يتقاضون معاشاتهم من القوات المسلحة ومعها رواتبهم من وظائفهم العالية الجديدة. والأهم من ذلك أنهم يديرون تلك الأماكن بأساليب قديمة بآلية عفى عليها الزمن من غيابات القرن الماضي. يزيد ذلك من إحباط العاملين داخل تلك المؤسسات، ويدفعهم للعزوف عن العمل المجتهد المخلص.

أما عن الهيئة العربية للتصنيع، فهي لا شك صرح وطني عظيم، وثبت لنا أن بها الكثير مما يستحق التقدير، لكن بها أيضاً ما يقتضي المراجعة. فعلى الجانب الذي يدعو للفخر أن الهيئة تنصف عمالها. ذكر لي الأسطى يحيى بشير- كبير فنيين بمصنع حلوان للصناعات المتطورة- أن أقل أجر للعامل في عنبره للمواسير واختبارات الطيران ويتقاضاه العتال يصل إلى ١٠٠٠ جنيه بالحوافز، وهو يفوق الحد الأدنى للأجور، وأنه هو نفسه مريض سكر منذ سنوات، وتتكفل الهيئة تماماً بمصروفات علاجه. وأضاف الأسطى محمد علام بنفس العنبر أن «راتبه زاد ما يقرب من ٣٠٠ جنيه بعد الثورة». وفوق ذلك تمنحهم الهيئة نسبة عالية تصل لـ ١٥ % من الأرباح. وشاهدت في المصنع نفسه والهيئة كلها علامات الزهد والبعد عن الفخامة والبذخ، مما يدلل على أن إدارة الهيئة تتقاسم مكاسبها مع من يعملون بها ولا تنفقها على رفاهية الكبار فيها‫.‬

أما على الجانب الذي يقتضى منا المراجعة، «فلماذا دائماً يرأس الهيئة عسكري ولا يأتي الدور أبداً على المدنيين، في حين أن الغالبية العظمي من إنتاجها مدني؟». توالى على إدارة الهيئة فريق متقاعد تلو الآخر طوال العشرين سنة الماضية، «ألا يعد هذا احتكاراً؟» مادامت المسألة في النهاية مهارات إدارية وليست فنية، «فلماذا لا يكون رئيسها إداريًا متخصصًا مدنيًا وله نائب عسكري يقوم على شؤون الأقلية من إنتاجها الحربي؟»

لا يتعلق الأمر فقط برئيس مجلس الإدارة العليا للهيئة، لكن المناصب العليا من رؤساء مجلس إدارة ورؤساء قطاع ومديرين، أغلبهم عسكريين سابقين. وجدت في مصنع حلوان للصناعات المتطورة، عندما زرته، رئيس مجلس إدارة مدني، وهو المهندس مازن علام، لكن سبقه لمنصبه اثنان من العسكريين، الذين جلسوا في مقعده لمدة ١٦ عاماً قبل أن يصل هو أخيراً منذ عامين فقط.

ونظراً لعسكرة المكان الملتفة في كون الهيئة «جهة دولية»، لا تخضع الهيئة للقوانين الخاصة بالدولة المصرية، وتُخضع نفسها فقط للائحتها الداخلية، التي فصلتها لنفسها. ولذلك لا يُسمح للعمال في مصانع الهيئة بتشكيل نقابات أو اللجوء لمحاكم الدولة، إذا ما نشبت خصومة بينهم وبين إدارة الهيئة، بل ملاذهم الوحيد هو لجنة قضائية من وزارة العدل ومجلس الدولة. فوق كل ذلك «أن عسكرة المكان جعلته فوق الرقابة والمحاسبة»، ولا يطلع على ملفاته بمكاسبها أو خسائرها سوى رئيس الهيئة ومجلس إدارتها واللجنة العليا، التي يرأسها الآن المشير طنطاوي. سيادة الفريق أنت نزيه وعادل وكذلك أغلب أعضاء الإدارة العليا معك، لكن ما أدراك أنه لم يأتِ قبلك ولن يأتي بعدك فريق فاسد يبخس حقوق العمال وينشر الفساد في المؤسسة ويقضي عليها.

هناك صفحات عديدة على «فيس بوك» للهيئة، وحوالي ٤ منها غير رسمية، أنشأها عمال ليلقوا على حوائطها بجملهم الاحتجاجية، ويتشاركوا همومهم. تحدثت على حائط إحدى تلك الصفحات مع عامل غاضب، وكان ما قاله لي نصاً هو «إذا كنت تريدين أن تعرفي مشكلة الهيئة، فالمشكلة الأساسية في إدارتها ما هم إلا مجموعة من متقاعدين الجيش يأتون إلى الهيئة ليقبضوا معاشهم من الجيش ويقبضوا رواتب من الهيئة، ومشكلة اللوائح بالهيئة أنها تضع كل الأمر بيد الفريق كأنه أمر الله في الأرض».

سيادة الفريق، دعوتكم لنا كمواطنين لزيارتكم أثبتت صدق نواياكم تجاه هذا الوطن، لكن الأمر يتخطى حدود شخصكم الكريم والهيئة، لقضايا أخرى كبيرة وحرجة تخص البلد كلها.

القضية إنما هي مسألة عهد ولّى، لكنه لايزال يجثم على أنفاسنا ويصر على الاستمرار، عهد كان العسكر فيه هم البهوات ومن دونهم رعية تقع أسفلهم. مرت العقود وتغير العالم بأجمعه من حولنا وانقرضت النظم العسكرية وتحولت لذكرى سيئة لحقب متخلفة، عادوا أفراد تلك النظم لثكناتهم ليركزوا في مهمتهم الأساسية وهي الدفاع عن أوطانهم، وتركوا أماكنهم لآخرين مدنيين، تركوها لنخب مدنية تأتي بها وتقيلها مؤهلاتها وصناديق الانتخابات، ويُحكم عليها بمدى ما قدمته للشعوب، ولا تأتي على أسنة بنادقها ولا يستطيع أن يراقب عليها أو يزيحها عن أماكنها أحد.

وبناءً على كل ما تم ذكره سابقاً، لا أملك إلا أن أضم صوتي لصوت العمال والمهندسين والمحاسبين والفنيين والسباكين وبتوع التليفونات..إلخ في بر مصر كله، الذين يرفضون عسكرة الوظائف. أضم صوتي لمن يطالبون بتسليم قيادة البلد لجيل جديد من متخصصين ماهرين يجيدون فنون التصميم والتسويق والدعاية والإدارة والتخطيط في عالم سريع الإيقاع مفتوح الأسواق شديد المنافسة، وأخيراً علينا أن نخرج من غيابات منتصف القرن الماضي، الذي لا نزال عالقين فيه، إلى براح القرن الحالي ونلحق بمن سبقنا.

Advertisements

حول Admin
Egyptian industrial engineer born in Cairo in mid of November 1963

6 Responses to «العسكر» في مصلحة المياه والصرف الصحي

  1. Mohmad Sami Seleem says:

    يسقط يسقط (مليون مرة ) حكم العسكر

  2. Admin says:

    الهيئة العربية للتصنيع…دولة “فوق” الدولة…- صفحة لا لعسكرة الوظائف المدنية ع الفيس بوك

    اشتركت “حملة لا لعسكرة الوظائف المدنية” فى الزيارة التى قام بها وفد من النشطاء والصحفيين إلى الهيئة العربية للتصنيع بناء على دعوة تقدم بها رئيس مجلس إدارة الهيئة الفريق حمدي وهيبة للدكتورة زينب أبو المجد، بهدف توضيح بعض الأمور التى تناولتها فى مقالاتها الأخيرة بشأن الهيئة، وانتقت الدكتورة مجموعة من النشطاء المهتمين بالتصدي لظاهرة عسكرة الدولة، وكان على رأسهم حملة “لا لعسكرة الوظائف المدنية”.
    استمر الاجتماع لمدة تجاوزت الخمس ساعات، وحضر الاجتماع مجموعة من كبار رجال الهيئة العربية للتصنيع؛ رئيس الهيئة برتبة فريق، ومديرها العام، برتبة لواء، ورئيس علاقاتها العامة، برتبة عميد، بالإضافة إلى مستشاريها القانونى، والمالى، والطبى، والتسويق المدنى. العجيب والغريب هو تأكيد سيادة “الفريق” أكثر من مرة أثناء اللقاء على أن هذه الهيئة هي هيئة مدنية أن أكثر من 70% من إنتاجها مدني، وفقط 30% إنتاج عسكري….نعم هي هيئة مدنية…ولكن يعمل بها فوق ال200 عسكري فى مختلف المناصب بدءًا من مجلس الإدارة وحتى صغار العمال والفنيين دون المؤهل الجامعي.
    والأغرب من ذلك أن مسئولي الهيئة يدافعون عن وجهة نظرهم قائلين أن العدد الإجمالى للعاملين فى الهيئة يتجاوز ال15 ألف عامل وموظف وبالتالى فإن رقم 200 عسكري متقاعد لا يمثل إلا نسبة ضئيلة من العدد الإجمالى. وعلى ما يبدو أن العسكر الذين حاورتهم الحملة لا تزال تسيطر عليهم فكرة أنهم الأذكى والأعلم واعتقدوا أننا مثلاً سوف نكون بالغباء الذي لن يجعلنا نرد بمنتهى البساطة على حجتهم بجملة بسيطة وهي “العبرة ليست فى العدد ولكن بالمناصب التى يشغلها هذا العدد فى الهيئة”.
    المهم، طرح ممثل الحملة فى هذا اللقاء السؤال بشكل أكثر وضوحًا وسأل عن المناصب التى يحتلها العسكريون، فكانت المفاجأة الأولى فى اللقاء أنه من بين أعضاء مجلس إدارة الهيئة البالغ عددهم 11 عضوًا، هناك خمسة عسكريين على رأسهم بالطبع رئيس مجلس الإدارة، والمدير العام للهيئة اللواء ابراهيم يونس، كما أن رؤساء مجال إدارات 6 مصانع من بين المصانع ال12 التى تمتلكها الهيئة أو تشترك فيها عسكريين!!!!!! ويضاف إلى كل هؤلاء أكثر من 100 يحتلون مناصب من مدير إدارة- وحتى رئيس قطاع بالهيئة، بالإضافة إلى عدد كبير من العساكر دون المؤهل المتوسط يعملون كعمال وفنيين.
    المفاجأة الثانية حدثت عندما سأل ممثل الحملة الفريق حمدي وهيبة حول تشكيل اللجنة العليا للهيئة والتى تتولى اختيار مجلس الإدارة، وتعتبر بمثابة القيادة العليا أو المركزية التى تضع الخطط الكبرى. فكانت الإجابة أن هذه اللجنة يرأسها حالياً المشير لكونه يحل محل رئيس الجمهورية، أما عضوية اللجنة فتتكون من كل من رئيس الوزراء- ووزير الخارجية- ووزير الدفاع- ورئيس أركان حرب القوات المسلحة- ووزير الإنتاج الحربي- ووزير التخطيط- ووزير الصناعة- ووزير المالية- ورئيس مجلس إدارة الهيئة. أى هناك 4 عسكريين فى تشكيل اللجنة العليا المشرفة والمسئولة عن هذه الهيئة المدنية !!!!
    المفاجأة الثالثة هي أن هذه الهيئة التابعة للدولة لا يراقب عليها أى جهاز من أجهزة الدولة الرقابية، فلا يراجع حسابتها الجهاز المركزى للمحاسبات، ولا تخضع للمساءلة أمام مجلس الشعب الذي يفترض أنه الجهاز الرقابي الأعلى فى مصر…الهيئة فقط ترسل حسابتها لمكاتب خاصة لعمل المراجعة الحاسبية اللازمة مثل مكتب حازم حسن، ولكنها لا تخضع للرقابة، فهى فوق القانون، وفوق الرقابة!!!!!
    المفاجأة الرابعة وهي أن الأرباح التى تحققها الهيئة سنويًا تتراوح بين 470 و475 مليون جنيه ومبيعات تتجاوز 3 مليارات و400 مليون جنيه، ولكن لا يذهب مليمًا واحدًا منها إلى خزانة الدولة!!!! ولكن تصرف منها نسبة تتراوح ما بين 20 إلى 30 % على العاملين بالهيئة، ويحول ال70 % إلى وعاء إدخارى خاص بالهيئة توضع فيه هذه الأرباح كضمان للقروض والائتمان الذي تحصل عليه الهيئة من البنوك المختلفة لتنفيذ مشروعاتها….أى أن إيراد الهيئة لا يدخل مليمًا واحدًا منه فى موازنة الدولة، والأعجب أن كل ما تبيعه الهيئة من منتجات حربية للجيش المصري أو أيه منتجات تبيعها للحكومة المصرية تكون معفية من الضرائب، بل والأكثر أنه كافة مستلزمات الإنتاج التى تستوردها الهيئة من الخارج لتصنيع منتجات تطلبها الحكومة المصرية بما في ذلك الجيش يكون أيضًا معفى من الجمارك!!!!
    يرفض العسكريون الاعتراف بأن الأحق بتولى المناصب القيادية فى كل مؤسسة أو هيئة حكومية هم أبناء هذه المؤسسات والهيئات التى أضاعوا فيها سنوات عمرهم واكتسبوا فيها خبرات كبيرة ثم يأتى لواء الجيش أو الشرطة ليقفز بالبراشوت على تلك المؤسسات ليأخذوا مواقع القيادة…العسكر لا يدركون أن ذلك يقضي على الطموح الوظيفي للعاملين ويقوض روح المبادرة والإقدام على التطوير والارتقاء بالعمل….العسكر لا يدركون هذا أو ربما لا يهتمون بهذا كثيراً.
    العسكر لا يرون غضاضة فى أن يحصل العسكري المتقاعد على معاش من القوات المسلحة وأيضًا على مرتب أو مكافأة من وظيفته المدنية …فى بلد تبلغ فيه نسبة البطالة معدلات رهيبة، ويتحجج المسئولون بعدم وجود مخصصات مالية تكفى لتعيينات جديدة فى الدولة.
    تيقنا خلال اللقاء أن العسكر لاتزال تسيطر عليهم الفكرة العقيمة بأن العسكريين هم الأجدر والأفضل فى الإدارة والتنظيم، فهم قادة التخطيط فى الحروب وهم الحاصلون على أفضل الدورات التدريبية فى نظم الإدارة…ويجهلون أو يتجاهلون أن علم الإدارة الذين يدعون تفوقهم فيه لحصولهم على دورات تدريبية لعدة أسبايع أو شهور أصبح منذ زمن علمًا يتخصص فيه الباحثون والمختصون ويضيعون سنوات من عمرهم فى دراستهم الجامعية والعليا فيه، ويحصلون فيه على أعلى الشهادات…العسكر لا يروا لذلك أهمية وتسيطر عليهم الإيجو العسكرية بأنهم هم العلماء والفقهاء والخبراء …وغيرهم مجرد هواه لا يصلحون لشئ.

  3. Admin says:

    علمت “المشهد” من مصادر مطلعة أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة قرر تعيين ثلاثة مسؤولين من لواءات الجيش في رئاسة مجلس الوزراء بدلاً من ثلاثة مسؤولين بعد خروجهم إلى المعاش، حيث يتم تعيين الأول بدلا من اللواء أحمد رزق والذي يعمل الآن كمساعد للأمين العام للمجلس للشؤون المالية والإدارية، وكذلك لواء جديد كمساعد للأمين العام للمجلس لشؤون تحليل السياسات الاقتصادية، كما تشمل التعيينات مسؤولاً جديدًا برتبة لواء كمسؤول عن ملف (حلايب وشلاتين) والذي تم استحداثه أثناء إثارة المشكلة مع السودان في عهد الرئيس السابق حسني مبارك.

    المشهد

  4. محيي يوسف says:

    السيدة الفاضلة زينب تحياتى مقال رائع ولا يحتاج لتعليق فما فيه يكفى

  5. Admin says:

    الدكتورة فاطمة في الحوار المؤيد للعسكر، به تحفز وتحرش لا نجد له مبرر بل لم تكن موفقة في الاجابة عن اسئلة مشروعة مثل
    لما لا يتاح للمدنيين حق تولى المناصب العليا خاصة انهم يتمتعوا بمؤهلات اعلي وخبرات لا تتاح للعديد من العسكر في نفس التخصصات
    لما اصرار العسكر علي الانتاج المدنى الذي يعد منافس واحتكارى لبعض المنتجات والخدمات
    وما صلة العسكر باعمال آخرى مثل التعدين والمحاجر !!

    في امريكا لا يقوم الجيش باعمال اقتصادية او تجارية .. ويعتمد علي القطاع الخاص في كل شيئ .. حتي في التسليح ترسى العطاءات علي شركات ومورد امريكي مثل لوكهيد او جنرال دينامكس لتصنيع طائرة او مدرعة بمواصفات تحددها كراسة الشروط ويظل المنتج حصرى للجيش الامريكي لا تستطيع الشركات ابرام عقود آخرى لدول اجنبية إلا بعد موافقة وزارة الدفاع من حيث مستوى التسليح وخلافه لتحتفظ بحد ادنى من التفوق النوعى لنظم تسليحها عن الدول المستوردة للسلاح الامريكي

  6. Admin says:

    دور المجلس التشريعي في نقض وتنقيح كافة القوانين الاستثنائية وغيرها لتهيئة بيئة يتم تحقيق فيها العدالة الاجتماعية !! نحتاج ثورة في الاداء البرلمانى

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: