قراءة في آلية تسليم العسكرالسلطة للمدنيين

 بات من المؤكد ان هناك اشكالية في كيفية تسلم السلطة للمدنيين بمصر .. وكلما اقترب موعد انتخاب الرئيس .. تتفاقم الازمة وتدخل البلد في دوامة مفتعلة من الانفلات الامني، عسى ذلك يردع الناس والشعب ويقر في وجدانهم بانهم يحتاجوا للعسكر ولن تجدي الديمقراطية نفعا في حكم مصر.. ولكن يفاجئنا الشعب بعناد واصرار علي تسليم السلطة فورا !!.

نضطر إستعادة مشهد عام 1954 عندما رغب اللواء محمد نجيب في ارساء الديمقراطية وتسليم السلطة وعودة الجيش لثكناته ، انقلب عليه جمال عبد الناصر والضباط الاحرار .. وانتكست الديمقراطية وتحولت مصر من ملكية إلي جمهورية عسكر اكثر ملكية بان تحولوا جميعهم لملوك .. كما قال عنهم نجيب في مذكراته ..

الفارق بين مشهد 1954 و2012 ان التجربة في الخمسينات كانت مؤيدة من الخارج للخلاص من حكم ملكى ليأتي حكم جمهورى .. موال لقوى جديدة بزغ دورها بعد الحرب العالمية الثانية .. وخشية ان تقع مصر في حزام الدول المعادية لإنجلترا وحلفائها المنتصرين وعلي رأسهم امريكا التي سلمتها بريطانيا مصر تسليم مفتاح وتتطلب ذلك الخلاص من ملك شاب كان يتمنى ان يدخل الالمان مصر ليتخلص من الانجليز.. وكان قدر مصر ان تكون حليفا لأمريكا التي لم تجد مانع في دعم العسكر – بل وترغم دول العدوان الثلاثى عن وقف حربهم علي مصر انذاك – بدل ان تكون تابعة لمعسكر السوفيت القوى العظمى الاخري التي بدأت انذاك الوصول للمياة الدافئة ومنابع النفط ..

تلك الرؤية الخارجية لأحداث شكلت العالم واستقطبت دول حول محوريين لدولتين خرجت منتصرة في الحرب العالمية الثانية .. ومن ثم كان لا بد من تمكين نظم بديلة وصديقة لها .. وكانت مصر من نصيب الامريكان بدعمها للثوار ضد ملك وجد ان بريطانيا المحتلة وامريكا غير راغبين في مساندته فأثر السلامة ونزل عن العرش للعسكر ..

في عام 2012 الوضع مختلف بالنسبة للعسكر الذي يشهدوا حالة مشابهة لتسليم السلطة للمدنيين وارساء مفاهييم الديمقراطية وحقوق الانسان .. وان العالم الان ليس به إلا دولة عظمي هي امريكا .. الصديقة والحليفة احيانا .. والداعمة للعسكر في مصر من خلال معونة امريكية قدرت ب 2.2 مليار دولار سنويا يذهب 1.3 مليار بنسبة 60% منها للمؤسسة العسكرية في صورة عتاد واسلحة ..إلخ .. وعلي مدار 30 سنة واكثر توافدت قيادات علي المؤسسة العسكرية المصرية تغيرت فيها القيادات كما تغير السلاح والعتاد .. فصار علي الاغلب المشير آخر الرجال المنتسبين لقدامى العسكر الذين تلقوا تدريباتهم في الاتحاد السوفيتي .. اما اغلب القيادات الحالية من المجلس العسكرى فهو يميل نحو فكر وتدريب امريكي صرف !!.

الشاهد ان المجلس العسكرى يواجه رغم ذلك تحدي متمثل في ان امريكا تدعم الآن التحول الديمقراطي والسلمي وهو ما يعني انهاء حقبة حكم العسكر .. وهو ما يعني فقدان الحليف الرئيس لدولة العسكر في البلاد .. وبدت الامور واضحة عند تخلي الامريكان عن مبارك حينها .. ولكن صبروا قليلا تحت مقولة ان مصر تحتاج وقت لتسليم السلطة .. وهو ما بدا للداخل والخارج ان العسكر عازمين علي التشبث بالسلطة وعدم التنازل عنها .. لايغفل هنا دور دولة اقليمية – السعودية- لها ثقلها ايضا لاتريد حدوث تغيير في مصر لكون النظام الذي ارساه مبارك .. يدعم امن الخليج والسعودية .. ويخشوا من القادم المجهول وتوجهاته التي قد تؤثر سلبا علي امن الخليج .. رغم ضمانة امريكا لتأمين منابع النفط .. لكن تعد مصر رمانة الميزان لدعم قوي اقليمية عربيا واسلاميا لها .. وهو ما قد يفسر العلاقات المستدامة والتنسيق الامني بين الجارتين الكبرتين .. بيد ان السعودية يساورها قلق ليس في محله .. لكون الضمانة الاساسية هي الشعوب وليس موظفي النظام في اعلي المناصب سياسيا او عسكريا .. ويجب علي السعودية ان تنتبه لهذا المحور في علاقتها مع مصر

تأثر دول الخليج ايضا بلاءات امريكية بدأت في ظاهرة وقف اي تدفق قروض او منح لمصر لتتعافى اقتصاديا .. وهو شبه حصار فرضته امريكا بصورة غير مباشرة لتعجيل تسليم العسكر للسلطة باسرع وقت .. خاصة ان طول فترة الحكم الانتقالي تدخل الدولة في ازمات خانقة .. بدت تظهر علي السطح في شكل احتجاجات ومظاهرات واعتصامات .. لكون الاوضاع بدت اسوأ من عهد مبارك الفاسد .. والخوف من ان ينفجر الشعب وتعم الفوضي البلاد وتمثل مصر تهديدات مباشرة لجيرانها وخاصة اسرائيل ..

وبدوره حاولت المؤسسة العسكرية المصرية ان تركب موجة  استقلال السيادة الوطنية وعدم التدخل في شئونها عبر ملاحقة منظمات حقوق الانسان الامريكية ومنعهم من السفر في صورة بادية للعيان في محاولة عض اليد الامريكية التي تمنح العسكر اغلب المعونة الامريكية  والتي منحت فرصة للعسكر للتراجع عن ما قامت به ضد منظمات امريكية .. مما ادي لتلويح الامريكان بقطع المعونة كاملة بما فيها العسكرية !!. توافق مع ذلك ايضضا رفض امريكي لدخول مصر طرف في اعمار ليبيا وفشلت زيارة المشير طنطاوى هناك .. وهو ما يؤكد رغبة الامريكان في تسليم السلطة وفورا وان لايكون للعسكر سبيل للسياسة..

علي الصعيد الداخلي ، ليس حالهم باحسن حال بعد فشلهم في ارغام الامريكان بقبولهم كسلطة تمثل المصريين .. فان الشارع المصرى بات يفرق الآن بين الجيش وبين طغمة من القيادات الحاكمة تحوم حولهم شبهة الفساد والتواطئ ..بل ان جنرالات العسكر ال 19 .. هم من يمثلوا الثورة المضادة واللهو الخفى لأغلب ما تشاهده مصر من انفلات امنى وتدهور في الحالة الاجتماعية والاقتصادية بالبلاد .. لعدم استجابتهم للجهود الاصلاحية .. وبقاء الحال علي ما هو عليه بل وافتعال ازمات ..حتي يثنوا الشعب عن المضى قدما في ثورته ..

خلال تلك المرحلة لجأ العسكر لإرسال اشارات ايجابية بانهم ليسوا متمسكين بالسلطة والدليل انهم اقاموا انتخابات برلمانية حرة وحموها ولم يقع اثنائها احداث شغب ، وهو ما يؤكد انهم عازمين علي تسليم السلطة .. وهذا هو خطابهم لأمريكا والغرب .. ولكن بالداخل يدرك المواطن المصرى انهم ما شرعوا في ذلك إلا بعد اتفاق تحت تهديد السلاح مع الفصيل الاكبر ممثل في الاخوان المسلمون .. ليملؤا فراغ السلطة التشريعية .. بل وان يدعموا مرشح محدد ترضي عنه المؤسسة العسكرية .. عسكري سابق او مدني موال للعسكر يمنحهم ضمانة الخروج الامن وعدم المسائلة او تغيير ما اتفقوا عليه .. وهو ما يعني ان العسكر سيحكموا ولكن من خلف الكواليس طالما يركنوا للسلاح والآخر اعزل .. وهو النظام المشابة لباكستان كما نظر البعض ..

في تلك الاثناء يقوم العسكر باجهاض الثورة وتمهيد الطريق للاخوان بتصفية الثورة والثوار .. هؤلاء الصبية او العيال في نظرهم .. من خلال مواجهات ممنهجة لتفتيت الثورة في الميادين .. وبكل اسف كان التيار الإسلامي موقف مشين تجاه تلك الاحداث .. لكونهم يشاركوا بصمتهم علي ما يحدث من مجاز قتل .. ممنهجة .. لن يغفرها التاريخ .. ولن يستثنى الاخوان من هذا العبث ..

سلامة موقف الاخوان وصحوتهم تتجلي في ان يقفوا بجانب الشعب وثواره وحفظ حق شهدائه ليس بالتعويضات الهزلية رغم انها مطلوبة حتي تهدأ النفوس ولكن الأهم هو تقديم القاتل للمحاكمة والقصاص منه حتي يقف حمام الدم .. الذي يستمر فيه حفنة من الامنيين الفسدة ظانين ان هذا النهج هو السبيل الوحيد لإخماد الثورة .. كما في سوريا ولكن بصورة مموهه !!.

تسليم السلطة من العسكر لسلطة مدنية يجب ان يبدأ بحلحلة نظام العسكر وخلخلته من الجهاز الادارى بالدولة .. والذي بدأ يتداخل العسكر فيه منذ عهد عبد الناصر ..فيمن اطلوا عليه اسم الرقيب في الصحافة والمصنع ..إلخ وتطور إلي ان اصبح هناك جهاز ينظم تلك العملية باسلوب الحصص في المؤسسات والجهات الحكومية .. وعلي الاغلب ان هناك مناصب محفوظة لهم تسهل عملية التداخل بصورة مسيطرة علي الاغلب علي مفاصل الحكومة .. بعيدا عن منصب الوزير السياسي .. نجد ان هناك اختراق لضباط الجيش عند تقاعدهم في التعيين كوكيل وزارة في اي وزارة  سياحة او صحة او تعليم او صناعة .. او سكيرتر اول للوزير .. مما يعني ان الرجل الثاني بالوزارة هو عالم بخبايا الامور ويعد انفاس هذ الوزير او ذاك .. ويمتد تداخل سلطات العسكر ايضا في ان اغلب المحافظين هم من متقاعدين الجيش كمكافأة نهاية خدمة .. بل ان لكل محافظ بدرجة وزير نجد حفنة من المساعدين والسكرتارية من اللواءات السابقين .. خاصة مع المحافظين ذوى خلفية غير عسكرية !!. ليس هذا وحسب بل ان تواجدهم في البرلمان حتي اللحظة في ترشيحهم للواءات كنواب برلمانيين .. يرشحوا لتولي رئاسة لجان الدفاع والامن القومى !!. ولم ينتهي دورهم عند هذا الحد بل سعوا كذلك للسيطرة علي النقابات المهنية في وقت سابق بترشيح نقيب هنا وهناك ..

هذا التداخل في مناحي جهاز ادارى للدولة ظاهره هو منح مكافأة نهاية خدمة للمتقاعد .. ولكن حقيقته هو توغل وانتشار العسكر في مفاصل لإحكام السيطرة ايضا علي الجهاز الاداري للدولة ، من المزايا العينية للمتقاعدين من العسكر ذوى الحظوة والولاء ان يضمن مكافأة نهاية خدمة .. ومعاشه كمتقاعد من الجيش.. بجانب راتبه من الوظيفة التي تخصص له في تلك الوزارة او المحافظة ..إلخ

هناك ايضا بعض السبل للتكسب والتربح لكبار المؤسسة العسكرية .. من خلال العمل الحر الميسر لهم ومخصص لهم ايضا فنجد لواء  ومديرسلاح الاشارة يمتلك شركة يرسي عليها تطوير تمديد ششبكات التليفونات بمصر ويستقدم هو شركات اجنبية من الباطن او بالعكس .. شركات اجنبية تعمل بمصر ويكون هو مقاول من الباطن .. او مشروعات قومية يتولي ادارة المشروع لواء سابق مثل مترو الانفاق او مشروع الصرف الصحي..إلخ

السؤال الذي بات ملحا علي البرلمان المنتخب بعد الثورة .. ويعتبر بالونة اختبار لمصداقية الاخوان في عقد نيتهم لإصلاح الوطن مما اعتراه من فساد طغمة من العسكر تركت لهم البلاد يفسدوا يها ويجنوا من مقدراتها .. غير عابئين باهل مصر .. هل يمكن ان يصدر تشريعات منظمة سريعة وملزمة لوقف هذا المد المتشعب في مفاصل الدولة من مخرجات المؤسسة العسكرية بجهاز الدولة دون مردود غير تدهور الاداء المهني والإداري لتلك الجهات الادارية ..

هنا بعض الخواطر او التغريدات سبق نشرها بتويتر حول الخطوط العريضة لأانسحاب العسكر من الحياة المدنية

  1. يبدأ بتشريع قانونى يمنع المتقاعد من الجيش الجمع بين معاشين عسكرى واخر يتقاضاه من الحكومة في شكل راتب وعلاوات وخلافه مما يمثل عبئ علي الدولة .
  2. في ظل بطالة مرتفعة بسبب اجراءات خصخصة غير رشيدة، لايجب ان يجمع مواطن فيها بين منصبين بالحكومة باعارة او انتداب ، ومتقاعدى العسكر لايعينا في اي مناصب حكومية إلا بموافقة رئيس الوزارء
  3. يجب اطلاق مبادرة شعبية لمنع منح اي امتيازات للعسكر بعد التقاعد علي حساب المدنيين بالوظائف الحكومية لتحقيق نوع من العدالة الاجتماعية
  4.  ليس كراهية وانما عدالة اجتماعية لإيجاد فرص عمل ومنح فرص للعاملين بجهات حكومية للوصول لمناصب عليا يحتفظ بها العسكر لانفسهم، بحيث يكون الجميع لهم فرص متساوية بالبلد، كيف نقبل ان يكون عقيد متقاعد له معاش من الجيش وله راتب من الحكومة وغيره عاطل.
  5. العسكر المتواجدين بالخدمة المدنية الحكومية حاليا كوكيل وزارة او محافظ او سكرتير إلخ يخير بين معاشه من الجيش او راتبه بالمنصب الذي يشغله الان
  6. طبعا للعسكر المتقاعدين كامل الحرية بالعمل الحر والخاص وفق القوانين المعمول بها والمنظمة للعطاءات والمناقصات وبشفافية ..طلما  لا يكلف الدولة اعباء مضافة علي ميزانية بها عجر زاد عن 25%
  7. وفق القانون العسكري فان المتقاعدين يحقق معهم النيابة والقضاء العسكري لو هناك خصومة مع مدنيين ولذلك يجب تقليل هامش احتكاك العسكر مع المدنيين حيث ان هناك خلل في تحقيق عدالة هنا .. ويمكن فحص تظلمات العاملين بالدولة في حالات تخطى اقدميتهم وحلول الباشا القادم من مؤسسة عسكرية ليأخذ فرصة غيره من المدنيين.
  8. المدنين بالوظائف الحكومية تري في العسكرى مغتصب لفرصهم الوظيفية العليا مما يترتب عليه خلل في هيكل المؤسسة لوجود دخيل قادم بالباراشوت وبحماية
  9. عند نشوب اي خلاف فى رؤي تكنوقراطية وفنية في اي مؤسسة فيها عسكري متقاعد ، لن تجدي خصومة معه او احالة بتحقيق لكونه محصن بالقانون حتي لو اخطأ
  10. يتعمد العسكر عادة علي القوة والسلطة وليس الكفاءة ، ولذا يلجأوا دوما لفكرة تسخير التكنوقراط للعمل لديهم.. نعم لديهم فيما لا يفهموا فيه ..
  11. تتحول المؤسسة رويدا إلي عبئ غير منتج لكون التكنوقراط لايجنوا ثمار عملهم إلا من رضي ان يكون خادما للعسكر ولذلك تتدهور المؤسسة لنفور الحر منهم
لن تدرك ثمار ثورة إلا بانسحاب شبكة العلاقات المتداخلة من العسكر السابقين في مفاصل الدولة واجهزتها ومؤسساتها .. علي الرقيب ان ينسحب .. علي اهل الثقة من العسكر ان يتواروا من المشهد قليلا .. دعوا الشعب يحقق نهضته التي قد تعود بالنفع علي اولادكم ..

Advertisements

حول Admin
Egyptian industrial engineer born in Cairo in mid of November 1963

One Response to قراءة في آلية تسليم العسكرالسلطة للمدنيين

  1. غير معروف says:

    ربنا سبحانه و تعالى هو القادرعلى اخراج البلد من هذا المنعطف الخطيرو ان ينجينا من خبث العسكرو استسلام الاخوان وان يرزق هذا البلد رجلا يأخذ بيدها الى بر الامان انه ولى ذلك و القادر عليه

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: