انحسار المد الدينى في مصر بعد الثورة

قد يكون هاجسا لدي البعض ان وصول التيار الاسلامى للحكم بعض ان تصدر الاغلبية من التيار الديني مجلس الشعب ، الا انني تلح علي فكرة انحسار الجرعة المركزة من العمل الدعوى والاعلام الديني ممثل في فضائيات دينية قد اصبح في حالة انقلاب للمنحني ، وسيقل تأثيرها بدرجة ملحوظة بعيد الانفتاح السياسى ودخول اقطاب التيار الاسلامي في اللعبة السياسية .. والاسباب لذلك التالية..

ان حالة الانسداد السياسى والملاحقات الامنية وغلق الحريات العامة في ظل حكم طوارئ علي مدار 30 سنة تخللها عنف الجماعات الاسلامية وعنف وقهر الدولة لهم .. مما اسهم في  حدوث تقييد للحريات العامة والاخص السياسية بصورة  خاصة مع الاسلام السياسي متمثل في التضييق علي الإخوان المسلمون حتي نعتها بالمحظورة امنيا واعلاميا !!. ولم يترك إلا فصيل التيار السلفى للعمل في الشارع فقط لملأ فراغ تركه الازهر او الاخوان بعد تهميش الدولة منذ الستينات للازهر ودوره .. والتضييق علي الاخوان بعد انقلاب الضباط في عام 1952 حين انقلب عليهم عبد الناصر بعد حادث المنشية عام 1954..

في ظل حالات الاتغلاق وضعف مستوى الدخول والازمات الاقتصادية المتلاحقة علي مصر ايام حصار اقتصادي لعبد الناصر فرضته اشتراكيته الناصرية علي البلد ودخول مصر في حربين لم تحقق فيهم اي نصر علي ارض الواقع انتهت بوفاة ناصر .. واستمر نزف موارد البلد في المجهود الحربي حتي حرب اكتوبر 1973 عقبها انفتاح اقتصادى استهلاكى خلق طبقة طفيلية بالمجتمع ولكن لم تخلق مجتمع صناعي منتج يزيد من ميزان الصادرات مقابل الواردات ..

خلال حقبة جمهوريات العسكر ظلت دخول المصريين دوما دون المستوى ولا تحقق الرفاه الاجتماعي بل ان انقلاب يوليو قلب موازين المجتمع وغير في تركيبة المجتمع وصولا بعصر مبارك الذي اخرج طبقة من رجال الاعمال المرتبطين بالسلطة وتضخم ثروات كبار الضباط بالجيش والشرطة في منظومة اقرب للتنظيم العصابي عن حكومة .. بجانب ان في عصره بدأت تتلاشي الطبقى الوسطي وتنحسر وتقترب للطبقة الدنيا من المجتمع بعد ازياد البطالة وعدم توفر وظائف باجور عادلة .. إلا لأصحاب الحظوظ او النفوذ .. كل هذا خلق مناخا بائسا ويئس الناس والشباب خاصة من اي امل في حياة كريمة .. فمنهم من سعي للهجرة .. حتي وصل عدد المصريين بالخارج لعدد يقارب 8 مليون واحيانا 10 مليون في سابقة غريبة علي المجتمع المصرى .. حتي وصل الامر إلي الهجرة الغير شرعية .. او هناك من استسلم لطبيعة الحياة في مصر كما نشأ عليها ووجد اباءه عليها ولكن ينغلق اكثر علي نفسه وقد يجد متنفسا له في التدين كحالة من الخلاص النفسي من حالة الفشل والقهر النفسي الذي يعايشه .. وهو ما يسهم في ازدياد التدين في مصر وقد ياخذ لدي معظمهم تدين ظاهري من ملبس ومظهر..

ليس هنا ننظر لظاهرة التدين بمنظار نقدى .. فالتدين هو علاقة بين العبد وربه .. ولكن لا يمنع الدين ان يعيش المرء حياته دون اسراف او تبذير وان ان الوسطية في الإسلام تحث علي ان تعيش دنياك ايضا فالزهد كان لقلة ما في اليد وانغلاق اى فرص او امل .. في ظل نظم حكم كانت تعاير شعبها ولم تكن تعمل لتحسين حياتهم .. ولكن الان الوضع تغيير .. والخطاب الديني المكثف للجماهير سيصبح في غير محله .. بل سيحتاج الشارع لخطاب امل في بكرة افضل للمصريين وللأجيال القادمة .. وسيصبح التيار الاسلامي مطالب الآن بتحقيق الاحتياجات الاساسية للمواطن قبل الحديث الروحي والديني الذي رددوه عقودا ولكن لم يكن لديهم سلطة لتحقيق ما ينادوا به .. الآن تحقق وعد الله ومكن الضعفاء بالارض ، ومرغ انوف الطواغيت واوردهم السجون .. فليس امام التيار الاسلامى فرصة للانشغال بالدين فقط ولكن هناك دنيا ..

ولذا فان الناس قد تمل من اي جرعة زائدة من الدين .. بل ان قانون الازهر الجديد قد يمنح استقلالية للازهر تباعا تسهم في استقطاب كافة التنظيمات والجماعات الاسلامية لتنضوى في اروقة الازهر وهو في حد ذاته قادر علي استيعاب الاختلاف بين تلك الفرق والجماعات كجامعة اسلامية .. وقد ينصرف الاسلاميين للتخفف رغما عنهم من التشدد حيث سينشغل بعضهم او جلهم في امور حياتية ومشاكل تحتاج لوقت لحلها .. وتحدي لقهره من مخلفات عصر استبداد متخلف .. ارجع مصر 60 سنة للوراء ..

ولذلك فالخطاب الديني المتشدد سوف ينحصر ، ولن تروج افكاره إلا بين قلة وسينشغل الناس بعض الوقت في اصلاح احوالهم المعيشية ومكافحة فساد متوغل في مفاصل الدولة واخلاق الناس .. خاصة ان هناك فصيل من الخاسرين بعد الثورة سيحاولوا افشال تجربة الاسلاميين بالحكم وهم اشد خطر واستنزافا للاسلاميين وابعادهم عن تحقيق اي خطط تنموية .. حتي يترحم الناس علي الزمن الغابر ..

ولذا اعتقد ان ظاهرة الفضائيات الدينية لن تدوم طويلا ، إلا اذا تحولت سياساتها الاعلامية تدريجيا بالتحول لبرامج منوعة بين اخبارية وفنية واجتماعية لاحداث توازن بين الجرعة الدينية المتاحة علي مدار الساعة وايضا لخلق اعلام متميز يتوافق مع النزعة الدينية .. فقد يظهر مسلسلات دينية بتلك القنوات واغني دون استخدام الالات موسيقية .. وقد يتعاظم دور المنشد والكورال …إلخ ..وكل ذلك في اطار ديني ولكن سيكون علي حساب البرامج الدينية التقليدية لشيخ يقدم درس بصورة يومية .. كما في قناة الرحمة والناس ..إلخ بجانب فرد مساحة للتوعية السياسية والاقتصادية من منظور ديني بروج للمشروع الاسلامى .. ولذلك فمسألة استمرار المد الديني والجرعة الزائدة ستكون في انحسار ..

مما تقدم .. لو كتب للتجربة النجاح .. فان ظاهرة التدين سوف تنضج اكثر .. ويتبلور تدين ناضج واعى ليس فيه اقصاء للاخر ، بل ان الثورة نجحت في ان تدمج اطراف المجتمع الشديدة التطرف في اقصي اليمين او اليسار لأن تتجمع في دائرة الضوء في مصر الثورة والكل يسعي محاولا ان يلحق فرصة او يحميها من ان تضيع .. بجانب ان ظاهرة الكره بين عنصرى الامة التي لعبت عليها اجهزة امنية فاسدة لن تثمر لكون احد الاطراف ممثل في التيار الديني الاسلامى اصبح ملزم امام الله والناس لحماية الاقلية من اي اعتداء عليهم ..

الصورة مبشرة والتحولات ستحدث ، لكن بجانب من يتربصون لأفساد الفرح .. وان كانت فرصهم ضيلة حيث ان الشعب في التجربة الانتخابية .. عزلهم بنفسه ولم يمر إلا من هم انفعهم للناس ..

Advertisements

حول Admin
Egyptian industrial engineer born in Cairo in mid of November 1963

One Response to انحسار المد الدينى في مصر بعد الثورة

  1. عبد الحق says:

    هذا كلام واقعى وسليم جدا!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: