أسرار الخلاف والاتفاق مع البرادعى

حمدي قنديل

بات الأمر واضحا.. هناك خلاف بين الدكتور البرادعى ومعظم قيادات الجمعية الوطنية للتغيير.. لذلك سببان رئيسيان كنت قد أشرت إليهما فى مقال الأسبوع الماضى، الأول هو غياب الدكتور البرادعى معظم الوقت عن مصر، والثانى هو غموض نواياه، وأساليب عمله..

ظل الأمران محل شد وجذب وموضع نقاش متكرر بين الجانبين، انتهى بجلسة مصارحة يوم الأحد الماضى لم تسفر ــ كما توقعت ــ عن توافق يذكر.. لم يحضر المستشار محمد الخضيرى الجلسة، حيث كان قد توصل قبل شهر مضى إلى أنه يمكنه أن يقدم عطاء أكبر لقضية التغيير من خلال جماعته «مصريون من أجل انتخابات حرة ونزيهة»..

ولم أحضر أنا الآخر.. عندما أبعد مناصرو حركة التغيير من الكويت فى أبريل الماضى، وكنت وقتها متحدثا باسم الجمعية الوطنية، اختلفت مع الدكتور البرادعى حول البيان الذى صدر بهذا الشأن وحول وسائل مساندة المبعدين، فأعفيت نفسى من مسئوليتى، وحرصت على كتمان الخبر طوال الأسابيع الماضية..

إخوانى الذين أشهد أنهم من أنقى الشخصيات التى التقيت بها وسط النخبة المصرية، والذين ذهبوا لجلسة المصارحة، توصلوا بعد النقاش إلى أن الخلاف مع الدكتور البرادعى خلاف جذرى.. هذا ما أبلغنى به د.حسن نافعة ود.عبدالجليل مصطفى ود.محمد أبوالغار ود.علاء الأسوانى وأ.عصام سلطان.. تمسك الدكتور البرادعى بمواقيت حضوره وغيابه، أما نواياه فقد ازدادت غموضا على نحو مقلق..

فى الأسابيع الأخيرة اتضح أن التواصل بينه وبين قيادات الجمعية محدود للغاية، والأرجح أنه كان يستعين بمجموعة بديلة، وكنا نرى أن هذا من حقه وإن كان من الضرورى أن تخرج مجموعته هذه إلى العلن.. وكان واضحا أيضا أنه لا يثق كثيرا فى الجمعية الوطنية للتغيير..

والحق أنه عندما اجتمعنا به فى منزله فى 23 فبراير عندما أتى إلى مصر لم يكن متحمسا لقيام الجمعية، وأنه دفع إلى ذلك دفعا بواسطة الحاضرين الذين التهبوا حماسا عندما اكتشفوا القواسم المشتركة بينهم حتى وإن كانوا يمثلون تيارات سياسية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.. ومنذ ذلك اليوم والدكتور البرادعى يبدى فى كل مناسبة أنه ضعيف الثقة فى النخبة.. وكنا نحاول تفهم ذلك أيضا، وإن كنا نحاول مد الجسور مع كل القوى المعارضة للنظام ونصر على جمعه بالشخصيات البارزة المهمومة بالشأن العام.. وكان يرى أن جمع التوقيعات على بيان التغيير هو أهم أركان حملته،

وكنا نرى أن النزول إلى الميدان لا يقل أهمية.. وكان ميله للاعتماد على الشباب يزداد، ولم نكن نحن أقل حرصا على دفع الشباب إلى المقدمة، لكنه حصر اهتمامه فى شباب «الحملة الشعبية المستقلة لدعم وترشيح البرادعى 2011»، أما نحن فكنا نود أن نشرك قطاعات أوسع من الشباب، كما أننا لم نتحمس لحملة تدعو إلى ترشيح رئاسى لم يجئ بعد أوانه، وكنا نرى أن طرحه من الآن سيثير خلافا بين القوى المشاركة فى الجمعية الوطنية قد يؤدى إلى انفراط عقدها، ثم إن الدكتور البرادعى نفسه دائما ما كان يصرح بأنه ليس مرشحا للرئاسة فى المرحلة الحالية على الأقل.

مع كل هذه الاختلافات فى الرؤى ظللنا متفقين على الأهداف السبعة لحركة التغيير فى هذه المرحلة، ومتفقين على ألا نستدرج فى طرح برنامج سياسى لا يجدى طرحه إلا إذا توافرت الفرص لخوض انتخابات الرئاسة، كما أنه يهدد بانقسام حركة التغيير.. وحرصنا على ألا نطعن فى أى مرحلة من مراحل تاريخ مصر وأى من زعمائها.. وعندما طاشت من الدكتور البرادعى بعض تصريحات بهذا الشأن ناقشناه فيها، والحق أنه أصبح أكثر حرصا وحنكة.

مجمل الأمر أننا كثيرا ما اختلفنا، لكننا حرصنا دائما على أن ندير خلافنا باحترام وندارى عليه.. مع ذلك فلم يكن هناك بد من أن ينكشف الغطاء فى النهاية.. أحسب أن الكل لاحظ ذلك فى الأسبوع الماضى بالذات، عندما قام الدكتور البرادعى بزيارتين أحدثتا بعض الضجيج..

الأولى كانت الأحد الماضى عندما زار جامع عمرو والكنيسة المعلقة والمعبد اليهودى.. وكان عدد من القيادات معترضا على هذه الزيارة التى يمكن أن تستغل للتذكير بالاتهامات القديمة بأن البرادعى غريب عن مصر يزورها كالسياح (وهذا ما حدث)، ولذلك تمت الزيارة وسط غياب معظم قيادات الجمعية.. أما الزيارة الثانية فهى تلك التى كانت للفيوم يوم الجمعة، والتى وضعت الحملة الشعبية برنامجها فى حين اعتمد الحشد لها على الإخوان المسلمين، مما أدى إلى استقالة اللجنة التأسيسية للجمعية الوطنية للتغيير هناك.. وبالمثل، فإن قيادات الجمعية غابت عن هذه الزيارة كما غابت عن سابقتها.

الأمر مؤسف إذن ومعالجته كانت تتطلب حدا أقصى من الحكمة، ولجما للمشاعر والنزعات الشخصية.. أظن أنه كان ضروريا للغاية أن نتفادى هدم المعبد على جميع من فيه، وإحباط شباب تقدم للتضحية وأمة تعلقت آمالها بحلم التغيير.. لهذا كان لابد أن نحفظ للدكتور البرادعى قدره، وأن نحافظ على كيان الجمعية وتماسك أمانتها العامة.. وقد واتتنا الظروف فى اجتماع الأمانة الذى انعقد يوم الخميس الماضى،

والذى أداره بمهارة شيخنا الجليل الدكتور يحيى الجمل.. فى الاجتماع طرحنا كل آمالنا ومشكلاتنا، انجازاتنا وإخفاقاتنا، فى صراحة ومودة ومسئولية، ودار النقاش فى إطار حرص بالغ يبتغى أولا وأخيرا الحفاظ على صلابة تيار التغيير واستيعاب كل الاختلافات ما دام الهدف واحدا.. إذا كان وقت الدكتور البرادعى متاحا للبقاء فى مصر هو كما هو، فليكن، هذا أفضل من عدمه.. وإذا كان أسلوبه فى العمل هو كما هو، فلا بأس، كل أسلوب له مزاياه..

ومهما تباينت المسارات فهى تصب فى النهاية فى تيار واحد نأمل أن يكون جارفا.. ورغم أن الجهاد من أجل التغيير بدأ قبل وصول البرادعى، فقد ألهب ظهوره فى اللحظة المواتية مشاعر الجماهير، واستقطب جهودها المتنافرة فى بوتقة واحدة.. البرادعى سيظل رمزا للجمعية حتى وإن لم يجلس فى مقعد رئاستها، والجمعية التى ضمت القوى الوطنية ستظل باقية ترفع الراية ذاتها.

من هنا تجدد الحماس فى الاجتماع من أجل انطلاقة جديدة، وتجدد الإجماع على الثقة فى قيادات الجمعية، وتراجع الدكتور حسن نافعة منسقها العام عن استقالته، ومعه تراجعت، وتقرر أن يظل كل المسئولين فى مواقعهم لشهور ثلاثة قادمة يتولى بعدها رفاق آخرون حمل العبء المضنى، ويتقدم جيل أكثر شبابا الصفوف ونتراجع نحن خطوة خلفها نقدم المشورة والمساندة.. ستواصل هذه الصفوف الزحف، وستمضى المسيرة، وسينتصر تيار التغيير فى النهاية.

المصدر
الشروق

Advertisements

حول Admin
Egyptian industrial engineer born in Cairo in mid of November 1963

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: